السلام عليكم و رحمة الله و بركاته مدونة الامام الشهيد حسن البنا ترحب بكم وتتمني لكم قضاء وقت ممتعم والاستفادة من المدونة بقدر كبير ان شاء الله ** سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم ** طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة مقعدا نرحب بنقدكم البناء والمدونة في طور التصميم .كما نتشرف بتوقيعكم في سجل الزوار.أخوكم في الله ::محب الاسلام ::......... ..

آخر الاخبار

مشاري العفاسي

You need to upgrade your Flash Player

أضفنا للمفضلة

مدونة الامام الشهيد حسن البنا Headline Animator

بعض الفيديواهات لمؤسس جماعة الاخوان


MusicPlaylistRingtones
Create a playlist at MixPod.com

الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

مسلسل الجماعة والردود عليها 2




أواصل عرض سيرة الإمام حسن البنا رحمه الله وذالك مما كتبه الشيخ حسن البنا بنفسه فى كتاب مذكرات الدعوة والداعية والروايات الحقيقية لما أورده وحيد حامد فى مسلسل الجماعة مبتورا ومشوها ولنرى ما فعله الشيخ حسن البنا كما رواه هو بنفسه فى المرحلة الإعدادية


قصة جمعية الأخلاق الدينية وقصة التمثال الخشبى :


فى المدرسة الإعدادية التى درس بها الشيخ حسن البنا رحمه الله كان من بين أساتذة هذه المدرسة” محمد أفندي عبد الخالق” رحمه الله وكان مدرس حساب ورياضة، ولكنه كان صاحب خلق وفضيلة، فاقترح على طلبة السنة الثالثة أن يؤسسوا من بينهم جمعية مدرسية يطلقون عليها اسم” جمعية الأخلاق الأدبية” وضع بنفسه لائحتها، واعتبر نفسه المشرف عليها وأرشد الطلاب إلى اختيار مجلس إدارتها. وكانت لائحتها الداخلية تتلخص في أن: من شتم أخاه غرم مليماً واحدا، ومن شتم الوالد غرم مليمين، ومن شتم الأم غرم قرشا، ومن سب الدين غرم قرشين، ومن تشاجر مع آخر غرم مثل ذلك – وتضاعف هذه العقوبة لأعضاء مجلس الإدارة ورئيسه – ومن توقف عن التنفيذ قاطعه زملاؤه حتى ينفذ، وما يتجمع من هذه الغرامات ينفق في وجوه من البر والخير، وعلى هؤلاء الأعضاء جميعاً أن يتواصوا فيما بينهم بالتمسك بالدين وأداء الصلاة في أوقاتها والحرص على طاعة الله والوالدين ومن هم اكبر سنا أو مقاماً.


ثم يتحدث عن أثر هذه الجمعية بقصة التمثال الخشبى فقال :


وأذكر أن كان من أثر هذه الجمعية في نفوس أعضائها الناشئين أنني مررت ذات يوم على شاطئ فهر النيل حيث يشتغل عدد كبير من العمال في بناء السفن الشراعية، وهي صناعة كانت منتشرة في محمودية بحيرة، فلاحظت أن أحد أصحاب هذه السفن المنشأة قد -علق في ساريتها تمثالا خشبيا عاريا على صورة تتنافى مع الأدب، وبخاصة وأن هذا الجزء من الشاطئ يتردد عليه السيدات والفتيات يشقين منه الماء،


فهالني ما رأيت وذهبت فورا إلى ضابط النقطة – ولم تكن المحمودية قد صارت مركزا إداريا بعد – وقصصت عليه. القصص مستنكرا هذا المنظر وقد اكبر الرجل هذه الغيرة وقام معي من فوره حيث هدد صاحب السفينة وأمره أن ينزل هذا التمثال في الحال وقد كان، ولم يكتف بذلك بل إنه حضر صباح اليوم التالي إلى المدرسة وأخبر الناظر الخبر في إعجاب وسرور. وكان الناظر مربيا فاضلا هو الأستاذ محمود رشدي – من كجار رجال وزارة المعارف الآن – فسر هو الآخر وأذاعه على التلاميذ في طابور الصباح مشجعاً إياهم على. بذل النصيحة للناس والعمل على إنكار المنكر أينما كان. ويظهر أن هذا الاهتمام بمثل هذه الشئون قد انصرف عنه اليوم – مع الأسف – الكثير من النظار والضباط على السواء.


كان اعتراض الأمام البنا على التمثال كونه خشبى لرجل عاريا وهو ما يتنافى مع الأخلاق ولم يكن للتمثال فى حد ذاته ثم هو ذهب للضابط المسئول عن هذه النقطة وقص عليه الأمر وبذل له النصيحة و استجاب الضابط وكان هو من أمر بإنزال التمثال هل رأيت سماحة ودعوة بالطريقة الصحيحة كما فعل الإمام البنا وهو مازال بعد فى المرحلة الإعدادية


بل ولك هذا الموقف الطريف والذى شوهه وحيد حامد كعادته :


دأب كثير من تلامذة هذه المدرسة على أداء الصلاة في المسجد الصغير ) وهو مسجد مجاور لها وبخاصة صلاة الظهر حيث تجمعهم فسحة بعد النداء.


ومن الطرائف التي أذكرها أن إمام هذا المسجد الأهلي الشيخ محمد سعيد رحمه الله، مر ذات يوم فرأي مؤذنا يؤذن وجماعة تقام وإماما يتقدم وعددا كثيراً من التلامذة -يزيد على ثلاثة صفوف أو أربعة يصلي فخشي الإسراف في الماء والبلى للحصير، وانتظر حتى أتم المصلون صلاتهم ثم عمل على تفريقهم بالقوة مهددا ومنذرا ومتوعدا، فمنهم من أذعن وفر ومنهم من وقف وثبت.


وأوحت إلى خواطر التلمذة أن أقتص منه ولا بد فكتبت إليه خطابا ليس فيه إلا هذه الآية (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) ولا شيء في ذلك، بعثت به إليه في البريد مغرماً واعتبرت أن غرامة قرش صاغ كافية في هذا القصاص. وقد عرف رحمه الله ممن جاءته هذه الضربة وقابل الوالد شاكياً معاتباً، فأوصاه بالتلاميذ خيراً وكانت له معنا بعد ذلك مواقف طيبة عاملنا فيها معاملة حسنة، واشترط علينا أن نملأ صهريج المسجد بالماء قبل انصرافنا، وأن نعاونه في بع التبرعات للحصر إذا ما أدركها البلى وقد أعطيناه ما شرط.


القصاص هو هذه الورقة وبها الآية الكريمة هذا ما فعله الإمام البنا وهو فى المرحلة الإعدادية


قصة جمعية منع المحرمات :


قال الإمام البنا فى مذكراته وكأن هذا النشاط الداخلي لم يرض رغبة هؤلاء الناشئين في العمل للإصلاح فاجتمع نفر منهم كان من بينهم الأستاذ محمد على بدير المدرس بالمعارف الآن، والأستاذ عبد الرحمن الساعاتي الموظف بالسكة الحديدية الآن، والأستاذ سعيد بدير المهندس الآن. وقرروا تأليف جمعية إسلامية باسم جمعية منع المحرمات )


ثم كتب عن توزيع المهام داخل الجمعية فقال :


وآخر مهنته كتابه هذه الخطابات بالحبر وثالث مهنته طبعها، والباقون توزيعها على أصحابها. وأصحابها هم الذين تصل إلى الجمعية أخبارهم بأنهم يرتكبون بعض الآثام أو لا يحسنون أداء العبادات على وجهها، خصوصا الصلاة، فمن أفطر في رمضان ورآه أحد الأعضاء بلغ عنه فوصله خطاب فيه النهي الشديد عن هذا المنكر، ومن قصر في صلاته ولم يخشع فيها ولم يطمئن وصله خطاب كذلك ومن تحلى بالذهب وصله خطاب نهي فيه حكم التحلي بالذهب شرعا، و أيما امرأة شاهدها أحد الأعضاء تلطم وجهها في مأتم أو تدعو بدعوى الجاهلية وصل زوجها أو وليها خطاب، وهكذا ما كان أحد من الناس صغيرا أو كبيرا يعرف عنه شيء من المآثم إلا وصله خطاب من الجمعية ينهاه أشد النهي عما يفعل.


وكان من اليسير على الأعضاء لصغر سنهم وعدم اتجاه الأنظار إليهم أو وقوع الشبهة عليهم أن يعرفوا كل شيء ولا يتحرز الناس منهم. وكان الناس يظنون أن هذا من عمل أستاذنا الشيخ زهران رحمه الله ويقابلونه ويلومونه لوماً شديدا ويطلبون إليه أن يتحدث إليهم فيما يريد بدلا من هذه الكتابة والرجل يتنصل من ذلك ولدفع عن نفسه، وهم لا يكادون يصدقون حتى وصله ذات يوم خطاب من الجمعية يلفت نظره إلى أنه صلى فريضة الظهر بين السواري – وذلك مكروه – وهو عالم البلد، فيجب عليه أن يبتعد عن المكروهات ليبتعد غيره من العوام عن المحرمات. وأذكر أن الشيخ رحمه الله دعاني حينذاك – وقد كانت صلتي مستمرة به وإن كنت قد تركت مدرسته أو مكتبته – لنراجع معا هذا الحكم في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ولا زلت أذكر الموضوع كأنه اليوم وكنت أقرأ له وأنا أبتسم وهو يتساءل عن هؤلاء الذين كتبوا له ووجد أن الحق معهم -، وأنهيت ذلك إلى أعضاء الجمعية فكان سرورهم به عظيماً.


واستمرت الجمعية تؤدى عملها أكثر من ستة أشهر وهي مثار عجب الناس ودهشتهم. حتى اكتشف أمرها على يد صاحب قهوة استدعى راقصة فوصله خطاب من الجمعية، وكانت الخطابات لا ترسل بالبريد اقتصادا في النفقات، وإنما يحملها أحد الأعضاء ويضعها في مكان يلفت نظر صاحبها إليها فيستلمها ولا يرى من جاء بها. ولكن المعلم كان يقظاً فشعر بحركة حامل الخطاب فقبض عليه بخطابه وعاتبه عتابا شديدا أمام من في القهوة. وعرفت الجمعية عن هذا الطريق فرأي أعضاؤها أن يخففوا من نشاطهم ويعملوا بأسلوب آخر لمنع المحرمات.


هذه هى الروايات الأصليه لبعض ما فعله الإمام البنا رحمه الله وهو فى المرحلة الإعدادية


بحثت فى كل المراجع عن حكاية لعبة عسكر و حرامية التى لفقها وحيد حامد وحولها للعبة مؤمنين وكفار ليدلل بها على دموية الشيخ حسن البنا منذ طفولته فلم أجد أثرا لها سواء فى كتاب مذكرات الدعوة والداعية أو حتى الكتب التى تحدثت عن الإمام البنا فهلا أحضر لنا السيد وحيد حامد مصدر هذه القصة المختلقة


و اخيرا أقرأ التدوينة بإنصاف فلن تلمس إلا أدبًا جمًا وترفعًا عن الصغائر وحماسة وغيرة على دين الله ورغبة في العمل التضامني والتكافل نحو خدمة الدين،ولن تجد أبدًا أثرًا لشخصية فاشية أو إرهابية تجمع الأطفال بالإرهاب وليس بالثقة والمحبة والقدوة الحسنة.
تابع القراءة ....

مسلسل الجماعة والردود عليها 1



فى مسلسل الجماعة يبنى وحيد حامد العقدة الدرامية فى المسلسل بشخصية وكيل نيابة أمن الدولة والذى كلف بالتحقيق مع طلبة الأزهر ولأنه حسب ما كتبه وحيد حامد يريد أن يصل للحقيقة عن الجماعة وعن مؤسسها الإمام البنا رحمه الله فاستعان بمستشار قريب له الذى نصحه بقراءة ما كتبه الإمام البنا بنفسه ورشح له كتاب مذكرات الدعوة والداعية ثم بدأ يحكى للبطل أكاذيب عن حياة الإمام البنا الذى ما كان غرضه كما كتب وحيد حامد إلا الزعامة و التكفير إلى آخر ما ساقه فى مسلسل الجماعة



ولأن السيد وحيد حامد إما جاهل بمن هو الإمام البنا أو هو يتعمد تشويه سيرته وتاريخه حتى يكون هذا مدخل لتشويه جماعة الإخوان المسلمين فلنستعين برأى أحد أبطال مسلسل السيد وحيد ولنعود إلى ما كتبه الإمام البنا بنفسه وهو يتركز فى مذكرات الدعوة والداعية والرسائل وهى الأحاديث التى تحدث بها الإمام البنا ….وسوف أجول معك أخى القارئ حول بعض تراث الإمام البنا ليتعرف الناس والسيد وحيد على من هو الإمام البنا


أول ما يلفت النظر فى كتاب مذكرات الدعوة والداعية المقدمة البديعة التى كتبها الأستاذ أبو الحسن الندوى أحد علماء المسلمين الأجلاء وهو لا ينتمى لجماعة الإخوان المسلمين إلا أنه زار مصر وألتقى بالإمام البنا تعالوا نقرأ تقديم الأستاذ أبو الحسن الندوى للكتاب :


يسعد كاتب هذه السطور ويشرفه أن يكتب تصديراً أو مقدمة لكتاب” مذكرات الدعوة والداعية” للإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، ويعتبر ذلك من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، ويحسن بها إلى نفسه قبل أن يحسن بها إن غيره، فهو كتاب ليس ككل كتاب، ومؤلفه ليس كالمؤلفين، وموضوعه ليس كالموضوعات التي يعالجها الكتاب ويتناولها المؤلفون والمحترفون في كل حين وفي كل مكان، ويتهيب رجل مثلي في قلة بضاعته في العلم والعمل، وفي تخلفه في ميدان الإصلاح والكفاح، وفي مجال التربية والإخراج، وفي حلبة التضحية والمحنة، أن يتقدم للكتابة والتعليق على هذا الكتاب ومؤلفه العظيم، ولذلك تأخرت كتابة هذه السطور مدة استطالت حتى بلغ حرج النفس كل مبلغ، وحتى غدوت أخشى وزر احتمال مزيد من التأخير ومن حرمان الشباب المسلم وجنود الدعوة ورواد الإصلاح من خير وافر غزير.


كفي برهانا على خلود الإسلام وعلى أنه دين الله المختار الذب صنع ليعيش إلى آخر الزمن، وعلى خلود هذه الأمة وعلى أنها هي الأمة الأخيرة، وعلى أنها منجبة منتجة، مورقة مزهرة، وعلى أنها كنانة الله التي لا تنفد سهامها ولا تخطئ مراميها، كفي برهاناً على ذلك وجود هؤلاء المصلحين والمجاهدين والعباقرة والنوابغ، والموهوبين والمؤيدين والمربين، وقادة الإصلاح الموفقين الذين ظهروا ونبغوا في أحوال غير مساعدة، وفي أجواء غير موافقة، بل في أزمنة مظلمة حالكة، وفي بيئات قاتلة فاتكة وفي شعب أصيب بشلل الفكر وخواء الروح وخمود العاطفة وضعف الإرادة وخور العزيمة وسقوط الهمة ورخاوة الجسم ورقة العيش وفساد الأخلاق والإخلاد إلى الراحة والخضوع للقوة واليأس من الإصلاح،


وبينما يواصل هذا الركب سيره، وهذا القطار سفره في غايات محدودة، ومنازل معروفة، وأصوات مألوفة، و نغمات مكررة، إذا بشخصية تقفز من وراء الأستار، أو من ركام الأنقاض والآثار، وتفاجئ هذا الركب الهادئ الوادع الذي لا يعرف غر الوصول إلى غايته المرسومة المحدودة، ولا يهتم إلا بقوت اليوم وزاد الطريق وأمن السبيل وراحة الأبدان.. تفاجئه بالدعوة إلى الإصلاح والحاجة إلى استئناف النظر والتفكير في الأوضاع العامة ومصير الإنسانية ومسئولية الأمة التي أخرجت للناس، والثورة على الأوضاع الفاسدة والأخلاق الرذيلة والعقائد الضالة، والعادات الجاهلية، وعبادة البطون والشهوات، وعبودية القوة والسلطات،


ويدعو إلى حياة كريمة فاضلة، وإلى مدنية سليمة صالحة، وإلى مجتمع رشيد عادل، وإلى إيمان عميق جديد، وإلى إسلام قوي حاكم، ويرفع بكل ذلك صوتا مدويا عاليا يضطرب به الركب وتهتز به مشاعره وعواطفه وقيمه ومفاهيمه، ولا يستطيع أن يتغافل عنه أو يتجاهله أو يستخف به ويستمر في سيره غير مقبل عليه أو ملتفت إليه، بل يخضع له عدد كبير من أعضائه فينشقون عنه ويلتحقون بهذا الداعية، فيجعل منهم ركبا جديدا يثق بنصر الله، ويسير على بركة الله.


إن لهؤلاء الثائرين والدعاة المصلحين قائمة مشرقة ومشرفة يتجمل بها تاريخ الإصلاح والدعوة، ولا يخلو منهم زمان ومكان وقد كان صاحب هذا الكتاب الذي أتشرف بتقديمه من هذه الشخصيات التي هيأتها القدرة الإلهية، وصنعتها التربية الربانية، وأبرزتها في أوانها ومكانها، وإن كل من يقرأ هذا الكتاب سليم الصدر، مجرد الفكرة، وبعيداً عن العصبية والمكابرة، يقتنع بأنه رجل موهوب مهيأ، وليس من سوانح الرجال ولا صنيعة بيئة أو مدرسة، ولا صنيعة تاريخ أو تقليد، ولا صنيعة اجتهاد ومحاولة وتكلف، ولا صنيعة تجربة وممارسة، إنما هو من صنع التوفيق والحكمة الإلهية والعناية بهذا الدين وبهذه الأمة، والغرس الكريم الذي يهيأ لأمر عظيم ولأمل عظيم في زمن تشتد إليه حاجته وفي بيئة تعظم فيها قيمته.


إن الذي عرف الشرق العربي الإسلامي في فجر القرن العشرين، وعرف مصر بصفة خاصة، وعرف ما أصيب به هذا الجزء الحساس الرئيسي من جسم العالم الإسلامي من ضعف في العقيدة والعاطفة، والأخلاق والاجتماع،.والإرادة والعزم، والقلب والجسم، وعرف الرواسب التي تركها حكم المماليك وحكم الأتراك وحكم الأسرة الخديوية، وما زاد إليها الحكم الأجنبي الإنجليزي، وما جلبته المدنية الإفرنجية المادية والتعليم العصري اللاديني والسياسة الحزبية النفعية وما زاد هذا الطين بلة من ضعف العلماء وخضوعهم للمادة والسلطة، وتنازل أكثرهم عن منصب الإمامة والتوجيه، وانسحابهم عن ميدان الدعوة والإرشاد،والكفاح والجهاد، واستسلامهم” للأمر الواقع”، وخفوت صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زد إلى ذلك كله نشاط دعاة الفساد والهدم، والخلاعة والمجون، والإلحاد والزندقة،


وتزعم الصحف والمجلات الواسعة الانتشار، القوية التأثير، للدعوات المفسدة، والحركات الهدامة والاستخفاف بالدين وقيمه، والأخلاق وأسسها وما آل إليه الأمر ووصلت إليه الأقطار العربية بصفة عامة، والقطر المصري بصفة خاصة من التبذل والإسفاف، والضعف والانحطاط، والثورة والفوضى، والانهيار الخلقي والروحي في الثلث الأول من هذا القرن الميلادي، ورأي كل ذلك مجسماً مصوراً في أعدا د”الأهرا م” و” المقطم” و” الهلال” و” المصور”، وفي كتب كان يصدرها أدباء مصر وكتابها المفضلون المحببون عند الشباب، ورأي ذلك مجسما مصورا في أعياد مصر ومهرجاناتها، وحفلاتها وسهراتها، واستمع إلى الشباب الجامعي في نواديهم ومجالسهم،


وزار الإسكندرية وشواطئها ومصايفها،ورافق فرق الكشافة والرياضة والمباراة، ودخل دور السينما، ورأي الأفلام الأجنبية والمحلية، واطلع على الروايات التي تصدرها المكتبة العربية في مصر بين حين وآخر ويتهافت عليها الشباب بنهامة وجشع، وعاش متصلا بالحياة والشعب، وتتبع الحوادث ولم يعش في برج عاجي، وفي عالم الأحلام والأوهام، عرف رزية الإسلام والمسلمين، ونكبة الدعوة الإسلامية في هذا الجزء الذي كان يجب أن يكون زعيما للعالم العربي كله، وزعيما للعالم الإسلامي عن طريقه، وقد بقي قرونا كنانة الإسلام ومصدر العلم والعرفان، وأسعف العالم العربي وأنجده بل أنقذه في فترات دقيقة عصيبة في التاريخ الإسلامي، ولا يزال يحتضن الأزهر الشريف أكبر مركز ثقافي إسلامي وأقدمه.


إن كل من عرف ذلك عن كثب لا عن كتب وعاش متصلا به، عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود، وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قد تبدو متناقضة في عين كثير من علماء النفس والأخلاق، ومن المؤرخين والناقدين، هي العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفة القوية الجياشة، والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ، والزهد والقناعة – دون عنت – في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة – دونما كلل – في سبيل نشر الدعوة والمبدأ، والنفس الولوعة الطموح، والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضع في كل ما يخص النفس.. تواضعاً يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنه -كما حدثنا كثير منهم – مثل رفيف الضياء: لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.


وقد تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية اجتماعية، لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة دينية سياسية أقوى وأعمق تأثيراً و اكثر إنتاجا منها منذ قرون، وفي تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد – في دنيا العرب خاصة – حركه أوسع نطاقا وأعظم نشاطا واكبر نفوذا وأعظم تغلغلا في أحشاء المجتمع واكثر استحواذا على النفوس منها.


وقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها، في ناحيتين خاصتين لا يشاركه. فيهما إلا القليل النادر من الدعاة والمربين والزعماء والمصلحين، أولاهما شغفه بدعوته واقتناعه بها وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ورسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري الله على أيديهم الخير الكثير. والناحية الثانية تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج:


فقد كان منشئ جيل، ومربي شعب، وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية، وقد أثر في ميول من اتصل به من المتعلمين والعاملين، وفي أذواقهم وفي مناهج تفكيرهم وأساليب بيانهم ولغتهم وخطابتهم تأثيرا بقي على مر السنين والأحداث، ولا يزال شعارا وسمة يعرفون بها على اختلاف المكان والزمان. لقد فاتني أن أسعد بلقائه في مصر وفي غير مصر، فقد كان العام الأول الذي كتب الله لي فيه الحج والزيارة وخرجت من الهند لأول مرة وهو عام 1947 م هو العام الذي تغيب فيه الشهيد عن ا-لجاز ولم يغادر مصر، وقد كان يحضر الموسم في غالب الأعوام، ويحرص على نشر دعوته والحديث إلى وفود بيت الله الحرام، وعلى السعي المجهد الحثيث في توثيق الصلات والعهود مع الوافدين من أنحاء عالم الإسلام كله.


بيد أني قابلت بعض تلاميذه ودعاته، فلمست فيهم آثار القائد العظيم والمربي الجليل، فلما قدر لي أن أزور مصر سنة 1950 م كانت رحمة الله قد استأثرت به ولما يجاوز عمره بعد الثانية والأربعين إثر حادث استشهاده الذي أدمى نفوس ملايين المسلمين وحرم العالم الإسلامي هذه الشخصية التاريخية الفريدة، ولا أزال أتحسر على هذه الخسارة التي كتبت لي، ولكني اتصلت بتلاميذه اتصالا وثيقا، وعشت فيهم كعضو من أعضاء أسرة واحدة، وزرت والده العظيم رحمه الله، واستقيت منه معلومات وأخبارا سجلتها في مذكراتي، وقابلت زملاءه وأبناءه، واجتمع لنفسي من كل هذه الآثار والأخبار ملامح الصور العظيمة لصاحب هذه الدعوة ومؤسس هذه المدرسة، أنا واثق بأنها صورة صادقة مطابقة.


وفي تلك الرحلة وقع إلي هذا الكتاب” مذكرات الدعوة والداعية”، فألفيته كتابا أساسيا، ومفتاحاً رئيسيا، لفهم دعوته وشخصيته، وفيه يجد القارىء منابع قوته و مصادر عظمته وأسباب نجاحه واستحواذه على النفوس: وهي سلامة الفطرة، وصفاء النفس، وإشراق الروح، والغيرة على الدين، والتحرق للإسلام، والتوجع من استشراء الفساد، والاتصال الوثيق بالله تعالى، والحرص على العبادة وشحن” بطارية القلب” بالذكر والدعاء و الأستنفار، والخلوة في الأسحار، والاتصال المباشر بالشعب وعامة الناس في مواضع اجتماعهم ومراكز شغلهم وهواياتهم والتدرج ومراعاة الحكمة في الدعوة والتربية، والنشاط الدائم والعمل الدائب،


وهذه الخلال كلها هي أركان دعوة إسلامية ربانية، وحركة دينية تهدف إلى أن تحدث في المجتمع ثورة إصلاحية بناءة، وتغير مجرى الحوادث والتاريخ. لذلك كان أصحاب دعوة الإسلام وحملة أمانتها بل والعاملون في مختلف حقول الإصلاح بحاجة دائمة إلى دراسة هذا الكتاب، وإعادة التأمل العميق فيه الفينة بعد الفينة، فلا عجب أن ينعقد العزم على تجديد طبعه ونشره في الناس، بل العجب أن تخلو منه مكتبة من مكتبات المسلمين.


أما بعد: فقد كانت محاولة القضاء على آثار هذه الدعوة التي أعادت إلى الجيل الجديد في العالم العربي الثقة بصلاحية الإسلام وخلود رسالته، وأنشأت في نفوسه وقلوبه إيمانا جديدأ، وقاومت” مركب النقص” في نفوسهم والهزيمة الداخلية التي لا هزيمة أشنع منها وأكبر خطرا، والميوعة وضعف النفوس والانسياق تحت ربقة الشهوات والطغيان، وخلقت – كما يقول شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال: “ في جسم الحمام الرخو الرقيق قلب الصقور والأسود” حتى استطاع هذا الجيل أن يصنع عجائب في الشجاعة والبسالة والاستقامة والثبات.


لقد كانت محاولة القضاء على آثار هذه الحركة وطمس معالمها، وتعذيب جنودها، وتشريد رجالها، جريمة لا يغتفرها التاريخ الإسلامي، ومأساة لا ينساها العالم الإسلامي، وإساءة إلى العالم العربي لا تعدلها إساءة، ولا تكفر عنها أي خدمة للبلاد، وأي اعتبار من الاعتبارات السياسية، إنها جريمة لا يوجد لها نظير إلا في تاريخ التتار الوحوش وفي تاريخ الاضطهاد الديني ومحاكم التفتيش في العالم المسيحي القديم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


نتابع معكم تدوينة قادمة إن شاء الله
تابع القراءة ....

دكتور محمد حبيب يكتب هذه المقالة الرائعة والبديعة عن الإمام البنا





كتب دكتور محمد حبيب هذه المقالة الرائعة والبديعة عن الإمام البنا ونشرت اليوم بجريدة المصرى اليوم يقول دكتور حبيب :


كنت قد قررت بينى وبين نفسى أن أبتعد عن أى تعليق على مسلسل «الجماعة» للأستاذ وحيد حامد، الذى يعرض فى هذه الأيام فى عدة قنوات تليفزيونية، ومازلت ملتزما بهذا القرار.. صحيح نحن نتعرض لإلحاح شديد من قبل بعض المراسلين والصحفيين كى ندلى بدلونا حول المسلسل، لكن ما تم بثه حتى الآن لا يفى بتقويم موضوعى ومنصف، بغض النظر عما أثير.. كنت حريصا على متابعة الحلقات، لكنى شُغلت عنها ببعض الأعمال، ولم أر للأسف سوى خمس حلقات.. غير أن هناك بعض النقاط المهمة التى يمكن أن نلفت الانتباه إليها لعلها تفيد القارئ الكريم إن كان من مشاهدى المسلسل، أو حتى من قارئى التعليقات عليه.


أولا: لم يكن الإمام البنا تصادميا فى أى مرحلة من مراحل حياته، بل كان أهم ما يميزه سلاسته وسهولته ولينه ورقته وإنسانيته الرفيعة.. كان محاورا من طراز فريد، محاورا لبقا عميقا مرنا، قوى الحجة، حاضر البديهة واسع الأفق، عالما فقيها، بصيرا بمداخل النفس البشرية ونوازعها.. كان ذا أريحية عالية وأدب جم وخلق قويم وذوق رفيع.


ثانيا: كان الأستاذ الإمام زاهدا، متواضعا، ورعا، تقيا، نقيا، منيبا، عابدا، متبتلا، صواما، قواما، موصولا بالله، مرتبطا بالآخرة..أسره القرآن واستولى على قلبه وجنانه، فكان ينساب على لسانه كما ينساب الماء رقراقا فى الجداول، وكانت له فيه نظرات وتأملات كأنها الفتوحات.


ثالثا: أُشرب الإمام حب أهله ومجتمعه ووطنه وأمته.. شغلته وأهمته قضية الاستقلال، وأقلقته وأرّقته مشكلة النهوض الحضارى للأمة، وأوجعت قلبه وأسالت مدامعه معاناة التعساء والبسطاء من بنى وطنه.


رابعا: آمن الإمام البنا بأن الإسلام هو رسالة الله إلى الناس كافة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنه نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وكما أنه دين فهو حضارة ينعم فى ظلها الجميع، مسلمين وغير مسلمين، بالعدل والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والسلام، وأن نهضة شعوبنا ورقيها وتقدمها لن تتحقق إلا من خلال الإسلام.


خامسا: لم يكن الإمام البنا مهتما بتأليف الكتب أو التصانيف، أو عمل الدراسات والبحوث، وهى مهمة وضرورية لاشك، وكان رحمه الله قادرا على أن يبرز فيها، لكن اهتمامه الأول كان منصبا على إيقاظ الشعب وإحياء الأمة من خلال تربية رجال يحملون الأمانة ويقومون بالتبعة عبر فكرة سليمة ومنهج واضح وهدف محدد، ومن هنا كانت عبقرية التأصيل الفكرى والحركة المنهجية والتنظيم الدقيق والتكوين المحكم والبناء الشامخ.. من هنا كانت عبقرية التنظيم الهرمى الذى سبق به العالم المتقدم آنذاك، على الأقل بخمس عشرة سنة.


سادسا: كان الأستاذ الإمام ذا نظرة متوازنة، معتدلة، شاملة، كاملة، لديه فقه رصين بالواقع الذى تحياه الأمة، وما يتطلبه ذلك من تحديد واضح لفقه التوازنات والأولويات والمآلات، واهتمام بالأصول لا الفروع، والكليات لا الجزئيات، وهكذا.. كان يفقه تلك المقولة الخالدة للصدّيق رضى الله عنه: «واعلموا أنه لا تقبل لكم نافلة حتى تؤدوا الفريضة».


سابعا: كان الإمام منفتحا على الجميع، يجمع ولا يفرق، يوحد ولا يشتت، يبشر ولا ينفر، ييسر ولا يعسر، يؤمن بأن الإصلاح يأتى من داخل الأنظمة، وليس من خارجها، وذلك عن طريق خطوات ومراحل متدرجة تبدأ بالفرد، فالأسرة، فالمجتمع الذى يفرز الحكومة المعبرة بحق وصدق عن إرادته الحرة.


ثامنا: لقد وضع الإمام البنا القواعد والأصول، من خلال فهمه العميق والدقيق للكتاب والسنة، وسيرة السلف الصالح، والسنن الإلهية، مستفيدا ومستوعبا تجارب الأقدمين والمحدثين، وكان له اجتهاده وفق متطلبات العصر، وفى ظل سياق ومناخ عام معين، محلى وإقليمى ودولى، فى السياسة والاقتصاد والاجتماع.. ومع المتغيرات التى طرأت والمستجدات التى ظهرت، لا بأس أن يكون لنا اجتهادنا فى الفروع، مادام يتم عبر المؤسسات الشورية المعتمدة بشكل صحيح وسليم، ودون إخلال بالقواعد والأصول.


تاسعا: هناك فارق كبير بين أن تتكون صورة ذهنية معينة عن شخص أو مجموعة أشخاص من خلال كلمة مكتوبة، وبين أن تتكون هذه الصورة عبر معايشة، فى الحالة الثانية تكون الصورة أقرب إلى الحقيقة والواقع.. ثمة أمر آخر على قدر كبير من الأهمية، هو أن هناك أشياء لم تكتب ولم تدون بعد، وقد سمعنا من حواريى وتلامذة الأستاذ الإمام حكايات وروايات مذهلة جسدت صورة ما كان لها أن تتكون فى الذهن من خلال القراءة فقط.. لذا كنت أتمنى من الأستاذ وحيد حامد أن لو أعطى لنفسه فرصة الاستماع لكل الأطراف.. نعم كان ذلك يتطلب وقتا وجهدا، لكن الفائدة من ورائه ستكون عظيمة، وسيكون المستفيد الأكبر هو المشاهد، هو الرأى العام.


عاشرا: أرجو من الإخوان ألا ينزعجوا أو تضيق صدورهم بما شاهدوا أو سوف يشاهدون، وأن يتريثوا حتى نهاية المسلسل حتى يكون التقويم شاملا، ومن الجوانب كافة، وأن يضعوا فى اعتبارهم ما يلى:


١- أن رصيد هذه الدعوة فى قلب وذاكرة ووعى الأمة هو رصيد عظيم، تماما كالجبل الراسخ، لا يمكن أن ينال منه معول أيا كان حجمه ووزنه وأيا كانت شراسته وضراوته.. صحيح هناك قطاع من الناس سوف يتأثر، لكن الغالبية من الناس لديها حس سياسى وذكاء اجتماعى يستطيع أن يميز بين ما هو صالح وطالح.. وفى تصورى أن هذا المسلسل سوف يضيف إلى رصيد الجماعة ولا يخصم منه لأسباب كثيرة ليس هنا مقام ذكرها.


٢- أن هذا المسلسل قطع السبيل على من يصف الجماعة بـ«المحظورة»، وصارت الجماعة، بغض النظر عما يقال فى شأنها، متابعة من الأمة كلها.


٣- سوف تكون هناك برامج حوارية على مستوى كثير من القنوات الفضائية، وسوف يدعى إليها بطبيعة الحال الإخوان المسلمون.. لذا أرجو أن يكونوا جاهزين بالعلم والموضوعية والإنصاف والرصانة.


٤- لا ينبغى أن نلقى بالاً لمسألة اختيار توقيت بث المسلسل وأن ذلك سوف تكون له آثاره على الانتخابات القادمة.. وأتساءل: من قال إنها سوف تكون آثارا سلبية؟ ومنذ متى كانت الانتخابات التى تجرى على أرض المحروسة نزيهة أو شبه نزيهة بحيث يقال إن محاولات تشويه الصورة سوف تؤثر سلبا على حقنا؟






إن الإمام المجدد حسن البنا كان فردا، لكنه ليس كباقى الأفراد.. كان فى ذاته أمة.. فالناس كما جاء فى الحديث «كإبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة».. اجتمع له من الخصائص العبقرية والصفات الفذة ما أهله للقيام بدور من أعظم الأدوار، لا أقول فى تاريخ مصر الحديث ولكن فى تاريخ العرب والمسلمين، بل فى تاريخ البشرية فى هذه الحقبة المهمة من عمر الزمان.. إن من الرجال من يصنعهم الله على عينه.. ومنهم من تصنعه الأحداث وتكشف عنه المواقف..ومنهم من تتلقفه يد الإعداد والتربية فتهيئه لصناعة التاريخ.. كان الإمام البنا عالما، فقيها، ملهما، عبقريا، مبدعا، قائدا، زعيما، سياسيا، مربيا..


كان هذا كله، لكنه قبل ذلك وبعده كان ربانيا، فى خواطره وأفكاره وسلوكياته وأخلاقه وتعاملاته وحركاته وسكناته.. أخلص قلبه كله لله.. عاش له ومعه، ركن إلى جنبه، استعان به وتوكل عليه.. فكان الله تعالى له.. كان من هذا الصنف الذى يصنعه الله على عينه.. فى يناير من عام ١٩٩٢ كنت فى بيروت وأتيحت لى فرصة أن ألتقى العلامة محمد حسين فضل الله الذى رحل عن دنيانا منذ أشهر قليلة.. استمر اللقاء حوالى ساعة تقريبا، تحدث فى نصفها الأول عن الأستاذ الإمام المجدد حسن البنا، وقال- فيما أذكره- إنه سبق عصره بنصف قرن من الزمان.


من أسف أننى لم أر الإمام، فقد كان عمرى ست سنوات وقت استشهاده، لكنى عشت دهرا طويلا مع من عايشوه واغترفوا من فضله وعلمه وفقهه وروحه.. تحدثوا عنه كما العشاق المتيمين.. أحبوه حبا ملك عليهم شغاف قلوبهم.. ولم لا وقد رأوا فيه كل جليل وجميل ونبيل؟ قال أحدهم: لقد أدركنا من خلاله كيف كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقد حكى لى أحد علمائنا الأفاضل أن أحد التابعين قال لواحد من الصحابة: لو كنا مكانكم ما تركنا رسول الله يمشى على الأرض..


ثم استطرد قائلا: كنا حملناه على أعناقنا.. قال عالمنا: وهذا يدل على أن محبة الصحابة لرسول الله كانت أعظم من محبة التابعين له.. قلت: لعلى فهمت العكس.. قال: لا.. قلت: كيف؟ قال: لأن الصحابة هم الذين علموا التابعين كيف تكون عظمة المحبة، وجلال المحبة، وروعة المحبة!.. سألت يوما عمنا وشيخنا الحاج عباس السيسى رحمه الله، وهو من أظرف ظرفاء الإخوان وصاحب ألطف وأرق وأمتع رسالة قرأتها وهى «الذوق سلوك الروح»، سألته أن يصف لى الأستاذ الإمام فى كلمة، فقال: «الرجل المتوهج»، قرأتها للكاتب الأديب أحمد بهجت يصف بها الإمام.


لقد أشعل الإمام البنا فى قلبى وهج الإيمان، وأنار عقلى وبصيرتى بالفهم الدقيق والعميق للإسلام، وساقنى الله عن طريقه إلى درب الهداية والاستقامة والرشاد.. أشعر أن ولادتى بدأت مع فكر الأستاذ الإمام الذى ضمنه مجموعة الرسائل، مذكرات الدعوة والداعية، ومقالاته الثرية، فضلا عن خواطره المتألقة حول معانى القرآن الكريم.. قرأت بعد ذلك عشرات من أمهات الكتب لأئمة أعلام، فما زادنى ذلك إلا اقتناعا بعظمة الإمام.. قبل ذلك لم تكن هناك حياة بالمعنى الحقيقى للحياة.. كانت عدما، بلا هدف واضح ولا رسالة محددة ولا مضمون له قيمة ولا روح لها نصيب من التوثب أو الترقى..


مع الأستاذ الإمام انتقلت إلى العالم الرحب الفسيح.. إلى الحياة مع الله.. مع الآخرة.. مع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.. مع المصطفين الأخيار.. مع الشهداء الأبرار.. استطعت أن أطوى صفحة ضيقة وفارغة من حياتى، لأبدأ صفحة بل صفحات أخرى جديدة، شديدة الاتساع وغاية فى العمق، حياة لها قيمة ومعنى ووزن.. لم يكن الإمام البنا مجرد عالم أو فقيه، أو داعية كبقية الدعاة.. كان روحا وثابة، وجدانا متألقا، ومشاعر فياضة تتسلل فى رقة وعذوبة إلى عقلك وقلبك ووجدانك.. كان وهجا يفتح لك آفاق الدنيا بسهولة وسلاسة ويسر، ويأخذ بيدك فى رفق وحنان وعزم وقوة ليدلك على البداية الحقيقية للسيادة والسعادة.


لقد تجلّت عبقرية الأستاذ البنا فى استيعابه مجموعة من الدوائر المتشابكة والمتداخلة والمعقدة، الدائرة العالمية، دائرة العالم العربى والإسلامى، دائرة مصر، ودائرة الإخوان.. وبالرغم من كثرة التفاصيل إلا أن كل دائرة من هذه الدوائر كان لها حظها ونصيبها فى عقل وقلب الإمام.. كانت له رؤيته الثاقبة وثقافته الموسوعية وإحاطته الشاملة بما يجرى على مستوى العالم، وما يموج فيه من تيارات سياسية وفكرية ومذهبية وأيديولوجية وفلسفية وبؤر ساخنة وصراعات دموية.. ينظر إلى العالم أفقيا ورأسيا وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.. وهو فى الوقت ذاته مطلع على أحوال العالم العربى والإسلامى بكل ما فيه من مآس وآلام وأحزان، من انحسارات وانكسارات أفقدته ثقته بنفسه وجعلته ألعوبة فى يد غيره، من تخلف علمى وفكرى وجهل ثقافى ومعرفى ومرض بدنى ونفسى ووجدانى، من أزمات ومشكلات، وما يواجهه من تحديات ويفرض عليه من تبعات.. ثم هو دارس وملم بكل تفاصيل المجتمع المصرى من حيث مكامن قوته ونقاط ضعفه فى شتى المناحى، وعلى دراية كاملة بكل ما يحدث على ساحاته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. وهو بعد ذلك، أو قبل ذلك، يقوم بهذا العمل الفذ فى تنشئة الإخوان والارتقاء بهم، علميا وفقهيا وروحيا وأخلاقيا، تنظيما وحركة.. إلخ..


كان يعرف من أين يبدأ، فى أى طريق يسير، وإلى أى هدف يتجه.. زودته العناية الربانية بطاقة إيمانية هائلة، وهمة عالية، وإرادة صلبة، وحركة لا تهدأ، وقلب رقيق، وعاطفة جياشة، وحس مرهف، ونفس أبية، وذهن متوقد، وذاكرة مذهلة، وعقل راجح، وحكمة بالغة.. لم يكن ينم سوى ساعتين أو ثلاث على الأكثر فى اليوم والليلة، ثم هو يعمل طول الوقت دون كلل أو ملل، كأنه فى سباق مع الزمن.. وهكذا شأن العباقرة الأفذاذ دائما.. أتته الشهادة التى كان يرجوها، وهو مازال بعد فى الثالثة والأربعين من عمره، وأبى كارهوه والحاقدون عليه أن تكون له جنازة، ولم يقم بتشييعه إلى مثواه الأخير سوى النساء.. رجل واحد فقط هو الذى جاء فى وداعه.. مكرم عبيد!


كان الأستاذ الإمام يعرف كل الإخوان، صغيرهم وكبيرهم، من فى الإسكندرية ومن فى أسوان، من فى المدينة ومن فى القرية.. ثم هو على وعى بكل أوضاعهم وأحوالهم.. من التقاه مرة فى حياته، وإن كان من عامة الناس، لم يحتج ولو بعد سنوات أن يسأله عن اسمه أو حاله ومن أين هو.. فى يوم من الأيام علم أن أخا فى إحدى القرى اعتزل إخوانه بسبب مشكلة بينهم.. ذهب إليه وكان أول ما سأل عنه.. بقرته التى يعتمد عليها، بعد الله تعالى، فى معاشه.. أليس ذلك عجيبا؟


كان لدى الإمام سحره وجاذبيته وقدرته الفائقة على مخاطبة الجماهير، فلا يمل سامعه، ولو مكث ساعات طويلة، بل يعطيه لبه ومشاعره.. كما كانت إمكاناته هائلة فى صياغة أعظم المعانى بعبارات موجزة وكلمات بسيطة، كان أسلوبه سهلا ممتنعا.. له وصايا عشر موجزة، كل الايجاز، لكنها تعد من أجمل وأروع ما كتب فى الدعوة والتربية والاجتماع والسياسة.. انظر إلى وصيته التى يقول فيها: «الواجبات أكثر من الأوقات فعاون أخاك على الانتفاع بوقته، وإن كانت لك مهمة فأوجز فى قضائها».. وانظر أيضا إلى هذه الوصية: «لا تكثر من الجدل فى أى شأن من الشؤون، فإن المراء لا يأتى بخير».. ثم انظر إلى وصيته: «تعرف على من تلقاه من إخوانك، فإن أساس دعوتنا الحب والتعارف»..


وتأمل هذه الوصايا: «قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف».. «لا تكثر من الضحك فإن القلب الموصول بالله ساكن وقور».. «تجنب غيبة الأشخاص وتجريح الهيئات، ولا تتكلم إلا بخير».. لقد كان رحمه الله لطيفا ظريفا، لا يجد غضاضة فى مداعبة إخوانه.. حكى لى الأستاذ محمد حامد أبوالنصر رحمه الله، الذى صار مرشدا فيما بعد، أن الإمام البنا نزل عليه ضيفا فى بيته بمنفلوط.. فى الصباح وبعد أن تناولا الإفطار، سأله الأستاذ أبوالنصر: فضيلتكم..تحب الشاى بمفرده واللبن بمفرده، أم نخلطهما معا؟ رد الإمام باسما ولكن بحسم: اسمع يا سيد محمد.. أنا لا أحب الخلط.. الشاى بمفرده واللبن كذلك.


رحم الله الأستاذ البنا وجمعنا به فى عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
تابع القراءة ....

كتبوا عن الامام البنا

بقلم: د. كامل عبد الفتاح باحث في تاريخ مصر الحديث والمعاصر



تميَّز الإمام حسن البنا "رحمه الله" بسعة الاطلاع، وعمق الفكرة والقدرة التنظيمية الهائلة التي شغلته عن التأليف، فلم يخرج كتبًا وتصانيف بل ربَّى الرجال وجدَّد الدين، وتُعد الرسائل أشهر ما كتبه الإمام؛ حيث جمعها إخوانه في كتاب يشهد بغزير العلم ورسوخ القدم وحسن التدبر واستيعاب لأحداث التاريخ.


وقد اعتمد البنا في رسائله على القرآن والسنة وأكثر من الاستشهاد بالآيات والأحاديث بغزارة تُحسب له، كما استأنس بالتاريخ في كثير من المواضع؛ حيث وظَّف الأحداث والإشارات التاريخية التي أوردها لتخدم المعنى الذي يريده، وندر اعتماده على السرد التاريخي، بل كان يأتي بإشارة تاريخية معينة في موضع معين لتعميق الفكرة وإبرازها للمتلقي.


ففي رسالة الإخوان تحت راية القرآن بدأ بعد حمد الله بقوله: "على ضوء الدعوة الأولى" في إشارة واضحة إلى دعوة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم تدل على اتِّباعه للسنة واسترشاده بالسيرة النبوية.


ثم أوضح مهمة الإخوان وهي؛ بناء الفرد المسلم، والبيت المسلم، والشعب المسلم، والحكومة المسلمة، والدولة التي تقود الدول الإسلامية، وتضم شتات المسلمين، وتستعيد مجدهم، وترد عليهم أرضهم المفقودة وأوطانهم المسلوبة وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله؛ حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام.


وحفَّز جماعته بالحديث عن صدق إيمان الصحابة؛ "فهم الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين، وكتب لهم الفضل بذلك، فكانوا خير أمة أُخرجت للناس، لقد سمعوا المنادي ينادي للإيمان فآمنوا، ونحن نرجو أن يحبِّب الله إلينا هذا الإيمان، ويزينه في قلوبنا كما حبَّبه إليهم وزيَّنه من قبل في قلوبهم.. فالإيمان أول عدتنا".


شرح العقائد


وفي رسالة العقائد بعد أن شرح العقيدة من القرآن والسنة، ذكر شهادات تاريخية لعلماء أوروبيين في إثبات وجود الله تعالى والإقرار بكمال صفاته؛ لا تأييدًا للعقيدة، ولكن إثباتًا لاستقرارها في النفوس.


1- قال ديكارت العالم الفرنسي: (إني مع شعوري بنقص ذاتي أحس في الوقت نفسه بوجود ذات كاملة، وأراني مضطرًا للاعتقاد بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع صفات الكمال، وهي: الله)، فهو يثبت في كلامه هذا ضعف نفسه ونقصها، ووجود الله وكماله، ويعترف بأن شعوره وإحساسه هبة من الله له وفطرة فيه، ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: من الآية 30).


2- وقال إسحاق نيوتن العالم الإنجليزي الشهير، ومكتشف قانون الجاذبية: (لا تشكّوا في الخالق فإنه مما لا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هي قائدة هذا الوجود).


3- وقال هرشل الفلكي الإنجليزي: (كلما اتَّسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده).


4- وقال لينيه، كما نقله عنه كاميل فلامريون الفرنسي في كتابه المسمى (الله في الطبيعة):


(إن الله الأزلي الأبدي العالم بكل شيء والمقتدر على كل شيء، قد تجلى لي ببدائع صنعه حتى صرت مندهشًا مبهوتًا، فأي قدرة وأي حكمة وأي إبداع أبدعه في مصنوعاته! سواء في أصغر الأشياء أو أكبرها! إن المنافع التي نستمدها من هذه الكائنات تشهد بعظمة رحمة الله الذي سخَّرها لنا، كما أن كمالها وتناسقها ينبئ بواسع حكمته، وكذلك حفظها عن التلاشي وتجددها يقر بجماله وعظمته).


5- وقال هوبرت سبنسر الإنجليزي في هذا المعنى في رسالته في التربية: (العلم يناقض الخرافات، ولكنه لا يناقض الدين، يوجد في شيء كثير من العلم الطبيعي الشائع روح الزندقة، ولكن العلم الذي تجاوز المعلومات السطحية، ورسب في أعماق الحقائق، براء من هذه الروح، العلم الطبيعي لا ينافي الدين، والتوجه للعلم الطبيعي عبادة صامتة واعتراف صامت بنفاسة الأشياء التي تعاين وتدرس، ثم بقدرة خالقها، فليس ذلك التوجه تسبيحًا شفهيًّا، بل هو تسبيح عملي، وليس باحترام مُدّعى، إنما هو احترام أثمرته تضحية الوقت والتفكير والعمل، وهذا العلم لا يسلك طريق الاستبداد في تفهيم الناس استحالة إدراك السبب الأول وهو الله، ولكنه ينهج بنا النهج الأوضح في تفهيمنا الاستحالة، بإبلاغنا جميع أنواع الحدود التي لا يُستطاع اجتيازها، ثم يقف بنا في رفق وهوادة عند هذه النهاية، وهو بعد ذلك يرينا بكيفيةٍ لا تعادل صغر العقل الإنساني إزاء ذلك الذي يفوت العقل…)، ثم أخذ يضرب الأمثلة على ما يقول فقال: (إن العالم الذي يرى قطرة الماء فيعلم أنها تتركب من الأكسجين والهيدروجين بنسبة خاصة؛ بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئًا آخر غير الماء، يعتقد عظمة الخالق وقدرته وحكمته وعلمه الواسع بأشد وأعظم وأقوى من غير العالم الطبيعي الذي لا يرى فيها إلا أنها قطرة ماء فحسب، وكذلك العالم الذي يرى قطعة البرَد فيرى تحت مجهره ما فيها من جمال الهندسة ودقة التقسيم، لا شك أنه يشعر بجمال الخالق ودقيق حكمه أكبر من ذلك الذي لا يعلم عنها إلا أنها مطر تجمَّد من شدة البرد).


وفي ذلك دليل قاطع على سعة اطلاعه "رحمه الله"، وزيادة معرفته التاريخية، واستخدام التاريخ في إثبات رؤيته.


صفات الله تعالى


وعند الحديث عن صفات الله تعالى بعد أن شرح المسألة وبيَّن مواضع الخلاف، نجده يقوم بترجيح مذهب السلف قائلاً: (ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع؛ حسمًا لمادة التأويل والتعطيل، وقال: وقد لجأ أشد الناس تمسكًا برأي السلف، رضوان الله عليهم، إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، من ذلك تأويله لحديث: "الحجر الأسود يمين الله في أرضه"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن".


ثم ختم البحث بقوله: "وخلاصة هذا البحث أن السلف والخلف قد اتفقا على أن المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، وهو تأويل في الجملة، واتفقا كذلك على أن كل تأويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز، فانحصر الخلاف في تأويل الألفاظ بما يجوز في الشرع، وهو هين كما ترى، وأمر لجأ إليه بعض السلف أنفسهم، وأهم ما يجب أن تتوجه إليه همم المسلمين الآن توحيد الصفوف، وجمع الكلمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، والله حسبنا ونعم الوكيل)..


وبذلك يكون البنا قد حسم الخلاف في العقيدة عن طريق البحث في المواقف التاريخية لعلماء السلف.


تبسيط علم الحديث


وأما عن علم الحديث فكتب البنا عن الرواية والإسناد، وميَّز بين الإسناد والمتن، ثم أوضح أن الإسناد من خصائص الأمة الإسلامية، قائلاً: ولم يؤثر عن أمة من الأمم العناية برواة أخبارها وكتبها، ومأثورات أنبيائها كما عرف ذلك عن هذه الأمة الإسلامية التي عنيت بهذه الناحية أتم العناية، حتى إن اهتمامها بالأسانيد والرواة لم يقف عند حد العلوم الشرعية، بل تعداها إلى العلوم الأدبية والأخبار التاريخية وغيرها، وإن كان في الحديث النبوي وما إليه أدق وأوضح.


ثم دلَّل على جودة الحفظ وسرعته ودقته وكثرته عند أئمة الحديث: "ولقد اشتهر الكثير منهم حتى كانوا أعاجيب الدنيا في هذه المعاني؛ ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الذي رُوي عنه في ذلك الغرائب المدهشة منذ كان غلامًا حتى لقي ربه، وقال حامد بن إسماعيل وآخر: (كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام، فلا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له، فقال: إنكما قد أكثرتما علي فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا وأضيع أيامي؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد).


وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت سليم بن مجاهد يقول: (كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث، قال: فخرجت في طلبه فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟


فقال: نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظًا من كتاب الله أو سنة رسول الله "صلى الله عليه وسلم").


ومن ذلك الحادثة المشهورة التي يرويها ابن عدي فيقول: (سمعت عدة مشايخ يحكون أن البخاري قدم بغداد، فاجتمع أصحاب الحديث، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد هذا، وإسناد هذا لمتن هذا"، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم، فقام وسأله عن حديث؛ فقال: ألا أعرفه، فسأله عن آخر. فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، وفعل مثل ذلك مع من بقي من المشايخ، لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه.


حتى إذا فرغوا، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فإسناده كذا وكذا، والثاني كذا وكذا، والثالث إلى آخر العشرة، فردّ كل متن إلى إسناده، وفعل بالثاني مثل ذلك إلى أن فرغ.. فأقر له الناس بالحفظ والتقدم)، لقد أكد البنا صدق كتاب صحيح البخاري بما رواه من تاريخه وسعة حفظه.


الدعاء


وفي رسالة مناجاة تحدَّث عن الدعاء، وبعد أن أوضح فكرته من القرآن والسنة أورد من الدعاء المأثور عن السلف رضوان الله عليهم وحالهم في دعائهم حتى يُقتدى بهم، فذكر ما ورد عن ضرار الصدائي في وصف علي رضي الله عنه إذ يقول: يستوحش من الدنيا وزخرفها، ويأنس بالليل ووحشته، وأشهد لقد رأيته وقد أرخى الليل سدوله وغابت نجومه واقفًا في محرابه قابضًا على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: (يا دنيا غرّي غيري، إليّ تعرضتّ، أم إليّ تشوّقت، هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وحسابك عسير، وخطرك حقير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق).


وما روي أن عمر رضي الله عنه كان يمر بالآية من ورده بالليل فيتأثر بها، ويحسب في المرضى..


وأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان إذا هدأت العيون، قام فيسمع له بالقرآن دوي كدوي النحل… وكان ذلك دأب الصحابة جميعًا رضوان الله عليهم. وسئل الحسن: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره.


وقال الربيع: بتّ في منزل الشافعي رضي الله عنه ليالي كثيرة، فلم يكن ينام من الليل إلا يسيرًا، وكان ذلك دأب الأئمة رضوان الله عليهم كذلك.. وتلا مالك بن دينار في ورده قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ (الجاثية)، فأخذ يردِّدها حتى أصبح.. وقال المغيرة بن حبيب رافقت مالك بن دينار ليلة فقام إلى الصلاة فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول: اللهم حرّم شيبة مالك على النار، إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك وأي الدارين دار مالك؟ فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر.


ورُؤي الجنيد بعد موته، فقيل له ما فعل الله بك يا أبا القاسم؟ فقال: (بليت الرسوم، وغابت العلوم، وانمحت العبارات، وطاحت الإشارات وما نفعنا إلا ركيعات، كنا نركعها في جوف الليل).


ومن وصايا لقمان لابنه: (يا بني.. لا يكونن الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم).


ولقد كانوا رضوان الله عليهم يجدون في كثرة القيام وحلاوة المناجاة أنسًا وراحةً تنسيهم عناء الأجسام وتعب الأقدام.. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: (أهل الليل في ليلهم أروح من أهل اللهو في لهوهم، ولولا قيام الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، ولو عوَّض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدون من اللذة لكان ذلك أكثر من هذه الأعمال).


وقال بعضهم: (ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم الآخرة إلا ما يجده أهل القيام في قلوبهم من حلاوة المناجاة).. وقال محمد بن المنكدر رضي الله عنه: (ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في الجماعة)… وقال بعض الصالحين: (منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء إلا طلوع الفجر)… وقال بعضهم: (إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها نورًا، فترد الفوائد على قلوبهم، ثم تنتشر منها إلى قلوب الغافلين).


ومن وصف عليّ كرم الله وجهه للمتقين: (أما الليل فصافون أقدامهم تالون لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً، يحزنون به أنفسهم ويستثيرون دواء دائهم، إذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعًا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقًا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وأطراف أقدامهم، لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون).


ثم قال كذلك كانوا- أيها الأخ- فاسلك سبيلهم وانهج نهجهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.


ولكي يؤلف القلوب أورد أدعية مأثورة من مناجاة ابن عطاء الله السكندري والسيد أحمد الرفاعي والسيد أحمد بن إدريس وأبي الحسن الشاذلي، والإمام الشافعي رضي الله عنه.


إنه الوعي بالتاريخ، وحسن توظيفه في بناء الجماعة، وتربية الأفراد، ومناقشة المخالفين، ونشر الفكرة، وإثبات سلفية دعوة الإخوان.
تابع القراءة ....

الامام البنا في سطور

الامام حسن البنا



حياته في سطور

ولد في عام 1906.

تخرج في دار العلوم عام 1927.

عين مدرسا في مدينة الإسماعيلية عام 1927.

أسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928.

نقل إلي قنا بقرار إداري عام 1941.

ترك مهنة التدريس في عام 1946 ليتفرغ لإدارة جريدة الشهاب.

اغتيل في 12 فبراير عام 1949.



حياته قبل تأسيس الجماعة

ولد حسن البنا في المحمودية بمصر عام 1906م، لأسرة بسيطة فقد كان والده يعمل مأذونا، ويبدو أن مقومات الزعامة والقيادة كانت متوفرة لديه، ففي مدرسة الرشاد الإعدادية كان متميزًا بين زملائه، ومرشحًا لمناصب القيادة بينهم، حتى أنه عندما تألفت "جمعية الأخلاق الأدبية" وقع اختيار زملائه عليه ليكون رئيسًا لمجلس إدارة هذه الجمعية.

غير أن تلك الجمعية المدرسية لم ترض فضول هذا الناشئ، وزملائه المتحمسين، فألفوا جمعية أخرى خارج نطاق مدرستهم، سموها "جمعية منع المحرمات" وكان نشاطها مستمدًا من اسمها، عاملاً على تحقيقه بكل الوسائل، وطريقتهم في ذلك هي إرسال الخطابات لكل من تصل إلى الجمعية أخبارهم بأنهم يرتكبون الآثام، أو لايحسنون أداء العبادات.

ثم تطورت الفكرة في رأسه بعد أن التحق بمدرسة المعلمين بدمنهور، فألف "الجمعية الحصافية الخيرية" التي زاولت عملها في حقلين مهمين هما:

الأول: نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات والمحرمات المنتشرة.

الثاني: مقاومة الإرساليات التبشيرية التي اتخذت من مصر موطنًا، تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب، وتعليم التطريز، وإيواء الطلبة.

بعد انتهائه من الدراسة في مدرسة المعلمين، انتقل إلى القاهرة، وانتسب إلى مدرسة دار العلوم العليا، واشترك في جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وكانت الجمعية الوحيدة الموجودة بالقاهرة في ذلك الوقت، وكان يواظب على سماع محاضراتها، كما كان يتتبع المواعظ الدينية التي كان يلقيها في المساجد حينذاك نخبة من العلماء العاملين.

ويبدو أن فكرة الإخوان قد تبلورت في رأسه أول ماتبلورت وهو طالب بدار العلوم، فقد كتب موضوعًا إنشائيًا كان عنوانه "ماهي آمالك في الحياة بعد أن تتخرج"، فقال فيه: إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أمل خاص، وأمل عام.

فالخاص: هو إسعاد أسرتي وقرابتي مااستطعت إلى ذلك سبيلاً.

والعام: هو أن أكون مرشدًا معلمًا أقضي سحابة النهار في تعليم الأبناء، وأقضي ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة.



أسرته

لحسن البنا أربعة أشقاء ذكور، ومن أشهر أشقائه جمال البنا، وأنجب حسن البنا خمس بنات هن ثناء ووفاء ورجاء واستشهاد وابن واحد هو أحمد سيف الإسلام.



تأسيس جماعة الإخوان المسلمون

حصل البنا على دبلوم دار العلوم العليا سنة 1927 وكان أول دفعته، وعُين معلمًا بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية.

وفي مارس من عام 1928 تعاهد مع ستة من إخوانه علي تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية وهم حافظ عبدالحميد، أحمد الحصري، فؤاد إبراهيم، عبدالرحمن حسب الله، إسماعيل عز، وزكي المغربي.

وتجدر الاشارة أن الأحزاب المصرية قاومت فكر البنا وحالت دون توسع رقعة الإخوان المسلمين السياسية ومن تلك الاحزاب، حزب الوفد (أكثر الأحزاب إنتشارا في ذلك الوقت) والحزب السعدي. وكان البنا قد خاض الإنتخابات أكثر من مرة بدائرة الدرب الأحمر بالقاهرة وكان بها المركز العام لجماعته، وكان بفطن بها بحي المغربلبن، لكنه لم يفز ولامرة لاهو ولازملاؤه في أي دائرة بما فيهم أحمد السكري سكرتير الجماعة وكان مرشحا بالمحمودية موطن مولدهما.



اغتياله

أعلن النقراشي (رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت) في مساء الأربعاء 8 ديسمبر 1948م قراره بحل جماعة الإخوان المسلمين، ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها، وفى اليوم التالي بدأت حملة الإعتقالات والمصادرات. ولما همّ الأستاذ حسن البنا أن يركب سيارة وُضع فيها بعض المعتقلين اعترضه رجال الشرطة قائلين: لدينا أمر بعدم القبض على الشيخ البنا.

ثم صادَرت الحكومةُ سيارته الخاصّة، واعتقلت سائقه، وسحب سلاحه المُرخص به، وقبضت على شقيقيه اللذين كانا يرافقانه في تحركاته، وقد كتب إلى المسؤولين يطلب إعادة سلاحه إليه، ويُطالب بحارس مسلح يدفع هو راتبه، وإذا لم يستجيبوا فإنه يُحَمّلهم مسئولية أيّ عدوان عليه.

في الساعة الثامنة من مساء السبت 12 فبراير 1949 م كان الأستاذ البنا يخرج من باب جمعية الشبان المسلمين ويرافقه رئيس الجمعية لوداعه ودقّ جرس الهاتف داخل الجمعية، فعاد رئيسها ليجيب الهاتف، فسمع إطلاق الرصاص، فخرج ليرى صديقه الأستاذ البنا وقد أصيب بطلقات تحت إبطه وهو يعدو خلف السيارة التي ركبها القاتل، ويأخذ رقمها وهو رقم "9979" والتي عرف فيما بعد أنها السيارة الرسمية للأميرالاي محمود عبدالمجيد المدير العام للمباحث الجنائية بوزارة الداخلية كما هو ثابت في مفكرة النيابة العمومية عام 1952.

لم تكن الإصابة خطرة، بل بقي البنا بعدها متماسك القوى كامل الوعي، وقد أبلغ كل من شهدوا الحادث رقم السيارة، ثم نقل إلى مستشفى القصر العيني فخلع ملابسه بنفسه. لفظ البنا أنفاسه الأخيرة في الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، أي بعد أربع ساعات ونصف من محاولة الإغتيال، ولم يعلم والده وأهله بالحادث إلا بعد ساعتين أخريين، وأرادت الحكومة أن تظل الجثة في المستشفى حتى تخرج إلى الدفن مباشرة، ولكن ثورة والد الشهيد جعلتها تتنازل فتسمح بحمل الجثة إلى البيت، مشترطة أن يتم الدفن في الساعة التاسعة صباحاً، وألا يقام عزاء!.

اعتقلت السلطة كل رجل حاول الإقتراب من بيت البنا قبل الدفن فخرجت الجنازة تحملها النساء، إذ لم يكن هناك رجل غير والده والسيد مكرم عبيد باشا القبطي الذي كان تربطه علاقة صداقة بالأستاذ حسن البنا.



مؤلفاته

مذكرات الدعوة والداعية (لكنها لاتغطي كل مراحل حياته وتتوقف عند سنة 1942م).

المرأة المسلمة.

تحديد النسل.

مباحث في علوم الحديث.

السلام في الإسلام.

قضيتنا.

الرسائل
تابع القراءة ....

نسخة نادرة لأولى رسائل الإمام "حسن البنا"



نسخة نادرة لأولى رسائل الإمام "حسن البنا"



   





هذه الوثيقة: هي أولى رسائل الأستاذ المرشد إلى الإخوان المسلمين، صدرت في فترة مبكرة من عمر الدعوة بعد انتقال الأستاذ المرشد إلى القاهرة، قبل انعقاد مجلس الشورى الأول للإخوان بأسبوع واحد، ولم تصدر بعدها رسائل منفصلة، كما أشار الأستاذ المرشد في ثناياها، إذ صدرت مجلة جريدة الإخوان المسلمون الأسبوعية، ونشرت للإمام سلسلة مقالاته التي جمعت في رسائل منفصلة فيما بعد.






موضوع الوثيقة






موضوع روحي تربوي مركز، يتناول معنى تربويًا هامًا، كان الإمام حريصًا على غرسه في نفوس الإخوان دائمًا، وهو التوازن بين العلم الذي يحصله الفرد وبين العمل به وتطبيقه وتحويله إلى واقع عملي في حياته وسلوكه، والترهيب من غلبة العلم والمعرفة دون التزام وعمل.






ويلاحظ فيها الروح الإيمانية العالية التي يشعر بها كل مَن يطالع الرسالة ويتأثر لا محالة بها، وهي أثر من آثار الفيض الرباني على قلب الإمام رحمه الله، كما يلاحظ فيها حرص الإمام على ضبط هذا الجانب من جوانب التربية






والسلوك لدى الإخوان، والتركيز عليه في هذه الفترة المبكرة؛ يقينًا منه أن هذا هو الأساس الذي ستبنى عليه باقي جوانب التربية والإصلاح للشخصية المسلمة المنشودة.






نص الوثيقة:


"بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد نور الكون وجماله وعلى آله وصحبه، ومَن تبع هداهم إلى يوم الدين.






أيها الإخوان المسلمون الكرام، أيد الله بكم الحق، وألهمكم الرشد، وأمدكم بروح منه، وجعلكم من القائمين بأمره المهتدين بهدي رسوله، الداعين إلى شريعته، الظاهرين على الحق لا يضرهم مَن عاداهم حتى تقوم الساعة.






السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


والحنين نحوكم، والحمد لكم والشوق إليكم


وبعد فاعلموا إخواني أوضح الله لي ولكم نهج الحق أن الغرض من هذه الرسالة الخاصة بكم وبمن أحبكم من الإخوان الكرام التحدث إليكم والتذكرة بمبادئكم والتعاون معكم على الوصول إلى الغاية التي عاهدتم الله على العمل لها والجهاد في سبيلها، فأنصتوا تؤجروا وتفهموا ما يُتلى عليكم بقلوبكم فإن كنتم تعلمونه فهو ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وإن كان غير ذلك فهو طلب للعلم، وقد أمرنا رسولنا بطلب العلم ولو في الصين.






واعلموا إخواني أن العلم علمان؛ علم في القلب، فهو العلم النافع، وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وقد بيَّن الله لكم صنفين من الناس في كتابه؛ صنفًا وصفهم بقوله ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولِئكَ كَالأْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179)، وصنفًا وصفهم بقوله ﴿اللًّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (الزمر: 23).






فالصنف الأول: هم الغافلون الذين لا يستمعون للعلم، ولا يفقهون العظة والنصح.


والصنف الثاني: هم المؤمنون الذين رقَّت قُلوبهم، وانشرحت بالإيمان صدورهم، فهم للعلم يستمعون وبالموعظة يتأثرون ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِّرُوا عَلَيْهَا صُمًّا وُعُمْيَانًا﴾ (الفرقان: 73)، فانظر أي الطريقين تسلك أيها الأخ الكريم.






يا أخي.. إن القلب المظلم لا يستفيد شيئًا كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر، وإن القلب الرقيق اللين الذي يفهم ما يسمع ويعمل بما يفهم هو موضع الفائدة ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيْبُ يَخْرُجُ نَبَاتُه بِإذْنِ رَبِّه﴾ (الأعراف: 58)، فكن قلبًا مستنيرًا وفؤادًا واعيًا وجارحة مستعدة للعمل تكن من الفائزين، وإن قليلاً من العلم تحسنه ثم تعمل به خير من كثير تحفظه بدون عمل، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع.






يا أخي أرسل أحد تلامذة الإمام الغزالي- رضي الله عنه- إلى شيخه يطلب إليه أن يبعث له برسالة تتضمن ما ينفعه في دنياه وآخرته مع الاختصار، فأجابه الشيخ برسالة عظيمة جعل أولها وصيته بأن يعمل بما يعلم، ولأنقل لك ملخص هذا الفصل من هذه الرسالة لعظيم فائدته فاسمع:


قال الإمام الغزالي رضي الله عنه:


"يا ولدي النصيحة سهلة، ولكن الصعب قبولها؛ لأنها في فم مَن لم يتعودها مرة المذاق، وإن مَن يحصل العلم ولا يعمل به تكون الحجة عليه أعظم، كما قال رسول الله "أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه".






يا ولدي لا تكن من الأعمال مفلسًا، ولا من الاجتهاد في الطاعة خاليًا، وتيقن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد- مثاله: لو كان مع رجل عشرة أسياف هندية وأسلحة أخرى، وهو في صحراء فخرج عليه أسد مهيب، فهل تدفع عنه هذه الأسلحة بدون أن يستعملها؟ فذلك مثل العلم والعمل لا فائدة في الأول بدون الثاني، ومثل آخر- لو مرض شخص بمرض مستعصي ووُصف له دواء مركب من عقاقير مختلفة، فأحضر الدواء ولم يستخدمه هل يشفيه هذا الدواء من مرضه؟ كذلك العلم لا يفيد النفس في الدنيا ولا يؤدي إلى النجاة في الآخرة إلا بالعمل.






والفُرْسُ يقولون: "كرمي دوخرار رطل هي بيمائي بأمي نحوري نباشرت سيداتي"


ومعناها بالعربية: "لو كلمت ألفي رطل خمر لم تكن لتصير نشوانًا إذا لم تشرب".


يا ولدي- لو قرأت العلم مائة سنة، وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعدًا لرحمة الله إلا بالعمل


﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم:39)، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110).






يا ولدي: ما لم نعملْ لم نأخذْ الأجرَ، وفيما يُنسب إلى سيدنا عَلِيٍّ- كرم الله وجهه-: "مَن ظن أنه بدون الجهد يصل فهو متمنٍ، والمُنى بضائع الموتى"، وقال الحسن البصري- رضي الله عنه-: "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب"، وفي الخبر عن الله تعالى: "ما أقل حياءً مَن يطمع في جنتي بغير عمل.."، وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"الكبس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني".






يا ولدي: عشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبب مَن شئت فإنك مفارقه، واعملْ ما شئت فإنك مجزي به، والعلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون، ولابد منهما معًا، وإن العلم وحده لا يبعدك اليوم عن المعاصي ولا ينجيك غدًا من النار، فإذا لم تجتهد اليوم في العمل.. فيوم القيامة تقول: "ارجعون لعلي أعمل صالحًا" فيقال لك: "يا هذا أنت من هناك جئت" انتهى.






أرأيت أيها الأخ المسلم هذه الوصية الغالية، إنها وصيتي إليك في هذه الرسالة فتفهمها، واستعد للعمل بها، واجعلها أساسًا تلاحظه، وتذكره فيما سيُعرض لك من الرسائل التالية إن شاء الله، والله ولي توفيقي وتوفيقك إلى ما يُحبه ويرضاه.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الفقير إليه تعالى


حسن أحمد البنا


خادم مبادئ الإخوان المسلمين

تابع القراءة ....

كتاب مذكرات الدعوة والداعية للإمام الشهيد حسن البنا خاص بمدونة الشهيد حسن البنا

كتاب مذكرات الدعوة والداعية للإمام الشهيد حسن البنا



الإمام الشهيد حسن البنا


 





كتاب مذكرات الدعوة والداعية يعدُّ ترجمةً لحياة الإمام البنا ونشأة جماعة الإخوان المسلمين بقلم مؤسسها، والكتاب عبارة عن خواطر ومقالات كتبها الإمام البنا في جريدة (الإخوان المسلمين) اليومية، والتي صدر أول عددٍ منها في مايو 1946م، وظلت تصدر حتى صدر قرار بحل الجماعة في 8 ديسمبر 1948م.


ويُلقي الكتابُ الضوءَ على نشأة الإمام البنا وطفولته وما قام فيها من أعمالٍ لخدمة الإسلام والتصدي للمنكر والتبشير، كما يتحدث فيه عن نشأة الإخوان، وكيف نشأت هذه الجماعة، والمحن التي تعرَّضت لها وأعمال الشغب والتصدي للتبشير ومجالس الشورى، والزيارات التي قام بها الإمام البنا لمدن وقرى القطر المصري، والمعسكرات وغيرها من الأشياء المهمة في تاريخ الجماعة ومؤسسها.




غير أن هذه المذكرات لم تكتمل فهي توقفت في بدايات الأربعينيات من القرن العشرين؛ بسبب كثرة مشاغل الإمام البنا ثم صدور قرار الحل، والذي منع الجريدة من الصدور ثم سرعان ما تطورت الأحداث، وتم اغتيال الإمام البنا في 12 فبراير 1949م.


 



او هنا



تابع القراءة ....

FeedBurner FeedCount